رأي
عمر نشابة
الأربعاء 24 كانون الأول 2025
صحيح أن اتفاق 17 أيار، 1983 بين لبنان والكيان الإسرائيلي، فُرض على لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكنه، خلافاً للمفاوضات الحالية، كان يتضمّن جدولاً مُحدّداً زمنياً ومكتوباً لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. وصحيح أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان كان يومها مشروطاً بالتزامات لبنانية سياسية وأمنية وأنه ربط الأمن اللبناني بالمصلحة الإسرائيلية، لكنه كان يشكّل أساس عمليّة التفاوض، بينما يركّز التفاوض اليوم على نزع سلاح اللبنانيين في الجنوب، ويكرّر مكتب رئيس وزراء العدو أن عملية التفاوض تشمل إنشاء منطقة حدودية صناعية (شريط اقتصادي) لتعزيز الاستثمار، وتحقيق الاستقرار الذي يجذب مليارات الدولارات، وفتح قنوات تعاون، وكأنّ «إسرائيل» تضغط لطرح ملفات اقتصادية مقابل التهدئة.
«الشريط الاقتصادي» هو مشروع إسرائيلي أميركي لإنشاء منطقة صناعية غير سكنية على الحدود بين فلسطين المحتلة ولبنان لتشجيع الاستثمار الصناعي، وهو ما تسعى إسرائيل لتسويقه كبديل أو مكمّل للتسوية الأمنية. يعني ذلك أنه العنوان المُقنّع للتطبيع وهو الشرط الإسرائيلي الأساسي للانسحاب من لبنان. ويبدو أنّ الإسرائيليين يسعون للاستفادة من تجربة اتفاق 17 أيار، 1983 من خلال ابتكار مسار مختلف بعنوان اقتصادي ووعود بأرباح مالية للبنان الغارق في أزماته الاقتصادية والمالية والمصرفية.
ويستند تسويق فكرة إقامة «شريط اقتصادي» في جنوب لبنان إلى ربط الاستثمار بالأمن حيث ترى «إسرائيل» والولايات المتحدة أن «السلام والاستقرار» هما شرط أساسي لجذب الاستثمارات إلى المنطقة الحدودية، ويتطلّب ذلك إنهاء الحرب بين الإسرائيليين واللبنانيين ومنع تكرارها من خلال تحويل المنطقة إلى «مشروع ربحي». ويدّعي المسؤولون الإسرائيليون أنهم مستعدّون لفتح قنوات تعاون، ويشكون تردّد وممانعة بعض اللبنانيين حالياً لكنهم ربما يراهنون على المساعي الأميركية لتوسيع اتفاقيات التطبيع وضمّ لبنان وسوريا إليها (راجع الحلقة الأولى من هذه المقالة).
رئيس الوفد الإسرائيلي على طاولة المفاوضات، نائب المدير لشؤون السياسة الخارجية في المجلس الأمني القومي الإسرائيلي أوري ريسنيك، لديه خطة لـ«تطوير البنية التحتية الاقتصادية في جنوب لبنان»، وهو يسعى لإقناع الوفد اللبناني بأن أي اتفاق سلام بين لبنان و«إسرائيل» سيفتح الباب أمام مشاريع استثمارية ضخمة، خاصة في ظل حاجة لبنان الماسّة إلى إعادة الإعمار عقب الأزمة الاقتصادية الحادّة التي يعاني منها. ولا شك أن هذا الأسلوب يختلف عن النهج الذي اتّبعه العدو الإسرائيلي عام 1983 ربما بسبب اختلاف هوية المقاومة التي واجهته يومها والمقاومة القائمة اليوم.
يركّز هذا النهج على أن سيمون كرم ليس أنطوان فتال، وأن ما يحدث اليوم خلال مفاوضات الناقورة ليس للتوصل إلى اتفاق 17 أيار ثانٍ وفرض ما اعتبره كثيرون تطبيعاً مفروضاً بالقوة بل مجرّد تفاوض بشأن تطبيق القرار 1701
ففي عام 1983 كان الهدف الإسرائيلي المُعلن هو التخلّص من منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت على رأس القوى المقاومة من خلال طرد مقاتليها «الأجانب» من لبنان إلى دول عربية أخرى. أمّا اليوم، فبالرغم من الدعاية الإسرائيلية التي تقول، إن المقاومة هي إيرانية الانتماء، تضمّ المقاومة مئات آلاف اللبنانيين من الجنوب والبقاع والضاحية والجبل ويسعى العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة وفرنسا وأدواتهم في لبنان إلى ابتكار طريقة لإضعافهم وإفقارهم (من خلال الحصار المالي ومنع إطلاق ورشة جدّية لإعادة إعمار الجنوب) وعزلهم حتى يسهلَ فرض «الشريط الاقتصادي» في الجنوب.
ويلاحظ أن الأميركيين والإسرائيليين والفرنسيين وأدواتهم في لبنان يتجنّبون إثارة موضوع التطبيع بين لبنان و«إسرائيل» ولا يوجد تسويق لمعاهدة سلام رسمية بين البلدين بل يُذاع أن التفاوض محصور بثلاثة مواضيع مُحدّدة هي:
• وقف إطلاق نار (علماً أن العدو الإسرائيلي خرقه آلاف المرات ويستمرّ في خرقه ولا يشكّل الأميركي والفرنسي أيّ ضمانة لوقف إطلاق النار، بل خلاف ذلك يسعى الأميركي إلى فصل مسار التفاوض عن سلسلة الجرائم التي يواصل الإسرائيلي ارتكابها بحق اللبنانيين).
• «ترتيبات أمنيّة محدودة» (أساسها تفعيل «الميكانيزم» كآلية فعّالة للتحكّم بعمليات الجيش اللبناني في إطار تدمير القوة العسكرية للمقاومة في جنوب لبنان وكل ما يمكن أن يشكّل تهديداً لأمن «إسرائيل»).
• تطبيق القرارين الدوليين (1701 و1559) وذلك لمنح التفاوض إطاراً قانونياً دولياً لكن انتقائياً حيث يتم تجاهل توجّه الأمم المتحدة نحو «إحلال سلام دائم وعاجل وشامل في الشرق الأوسط على أساس كل القرارات ذات الصلة بما في ذلك القرار 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967 والقرار 338 الصادر في 22 أكتوبر 1973 والقرار 1515 الصادر في 19 تشرين الثاني 2003»، (هذه القرارات تلزم «إسرائيل» قانونياً بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والجولان السوري وتلزمها بالسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم والاعتراف بدولة فلسطينية).
والهدف الأساسي من هذا التمويه الأميركي، الإسرائيلي، الفرنسي هو تجنّب إفشال مسار الاتفاق بين لبنان و«إسرائيل» كما حصل عام 1983. فالظروف اليوم، بعد سقوط النظام في سوريا وبعد توسيع اتفاقات التطبيع العربية مع «إسرائيل»، تبدو مثالية لدفع مسار «السلام» (الاستسلام) قدماً لكن ذلك يحتاج إلى إتقان نهج احتيالي في السياسة والإعلام. ويركّز هذا النهج على أن سيمون كرم ليس أنطوان فتال وأن ما يحدث اليوم خلال مفاوضات الناقورة ليس للتوصّل إلى اتفاق 17 أيار ثانٍ وفرض ما اعتبره كثيرون تطبيعاً مفروضاً بالقوة بل مجرّد تفاوض بشأن تطبيق القرار 1701. أمّا موضوع «الشريط الاقتصادي» فيُسوّق على أنه مجرّد مساهمة في إخراج لبنان من أزماته الاقتصادية.